محمد كرد علي

321

خطط الشام

كل من لم يمالئوه ، ويتوهم أن النقاد لا يفرقون بين الزيف والبهرج ، ولا بين الهازل الماجن والمجد المجاهد ، والعلم الحقيقي يولي صاحبه عزوفا ، وإذا قرن بالتهذيب لا يحاول صاحبه درجة إذا تخطاها أدركه العثار . عرفت عالمين دينيين أريدا على أن تفتح لهما أبواب الرزق ، وتغدق عليهما المظاهر على أن يسفا إسفافا خفيفا يكون في السكوت عن رجل كان لهما صاحبا قديما فحاز مظهرا كبيرا من مظاهر الدنيا حسده عليه عبيد المطامع والشهوات ، وكان جوابهما كل مرة أن من لا يعمل للمصلحة العامة لا يستحق صداقتنا ، ليأت ما استطاع من الخير ونحن بالطبع له الأخلاء الأوفياء لا نريد منه جزاء . وهكذا قاطعاه وهو الحاكم المتحكم في الدولة ، وهكذا عزفت نفسهما عن أن يرقصا للقرد في دولته ويزينا للظالم ظلمه وهو في أوج عزته . زهدا في الجاه العريض لزهد صاحبه في الفضائل وشدة هيامه بدرهمه وديناره . رجلان يأكلان اللقمة بالتسفل والرياء وآخران جاهرا بأنها تؤكل بدون هذا . وهذا مثال من أخلاق بعض المعاصرين ، وعبرة للأعقاب في الغابرين . ظهر التعطيل في الإسلام منذ قرون ، بما قام به المبتدعة من أهل الطرق وسخفاء الدجالين والقصاصين ، فانحطت العقول وضعف مستوى العلم والتهذيب في الناس فمن تصدى يا ترى لمحاربة هذه الضلالات التي لم ينزل بها سلطان ؟ فشت أخلاق سيئة تخالف هدي الدين فتغافل الموكل إليهم هداية الخلق عن انتشار سمومها كأنهم يقرونها ، وتركوا رعيتهم هملا كالسائمة . وكانت دروس العلم مباحة مورودة إلى أوائل هذا القرن ، وبتساهلهم كاد العلم الإسلامي ينقرض . وجاء كثير من مرتزقة الوعاظ والخطباء والأئمة والقضاة جهلاء يفتون بغير علم ، ويخطبون بالمبتذل الساقط ، ويلهون الجمهور بالقشور ، ويبيعونه من سلعهم الكاسدة ما لو ائتمر العوام بأوامرهم لرجعوا ألف سنة إلى الوراء . وإذا اجتمع هؤلاء الدينيون إلى أكثر زعماء الأديان الأخرى ، ظهر الفرق بين التقصير والعناية وتجلت المباينة بين من ساروا مع الزمن ، ومن عاندوا الحقائق وحاربوا العقل وجمدوا في الفكر ، ومالوا إلى الكسل عن العمل . وفوق هذا تراهم يجمعون أموالهم بخرق حرمة كل